اندلعت ليل الخميس-الجمعة مواجهات عسكرية بين أفغانستان وباكستان. حيث قامت القوات الباكستانية بقصف عدة مناطق في العاصمة كابول ومدن أفغانية أخرى، بعد أن أعلنت حكومة طالبان مهاجمة البلد الجار، لترتفع فجأة حدة التوتر بين البلدين الجارين.
وشنّ السلاح الجوي الباكستاني فجر الجمعة غارات على العاصمة كابول وولايتي قندهار وبكتيكا (شرق البلاد) ردا على هجوم عسكري نفذته القوات الأفغانية على المناطق الحدودية مع باكستان.
وأكد وزير الإعلام الباكستاني عطا الله شريف، في نفس اليوم، أن بلاده قتلت عددا من عناصر حركة طالبان الأفغانية، وأصابت المئات، ودمرت مواقع عسكرية ودفاعية تابعة للحركة.
هذا التصعيد، الذي جاء بعد أشهر من التوترات المتصاعدة والاتهامات المتبادلة بشأن الأمن الحدودي ووجود جماعات مسلحة، يهدد بتحويل النزاع المزمن إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز تداعياتها الإطار الثنائي لتطال التوازنات الإقليمية بأكملها.
وليست المرة الأولى التي تندلع فيها اشتباكات عسكرية بين البلدين الجارين، اللذين لطالما تشاركا علاقات وطيدة في الماضي القريب.
لكن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، تعمقت الأزمة بين البلدين، لا سيما بعد تنفيذ مقاتلين من طالبان الباكستانية هجمات على طول الحدود الباكستانية. ما جعل إسلام آباد ترد بهجمات جوية. وقد أدت المحادثات التي جرت في 2025 بين كابول وإسلام آباد في الدوحة، إلى التوقيع على قرار وقف إطلاق النار بين الجانبين. إلا أنه لم يصمد أمام الواقع.
فما أسباب وجذور الخلاف بين البلدين والاتهامات التي يوجهها كل طرف للآخر؟
جذور المواجهة
أكدت السلطات الباكستانية أن الهجمات التي استهدفت أراضيها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي قتل على إثرها العديد من الجنود الباكستانيين، نفذتها حركة طالبان باكستانية تدعى “حركة تحريك طالبان باكستان”.
واتهمت كابول هذه الحركة بتقديم الدعم وإيواء عناصر على أراضيها، أي داخل أفغانستان، وهو اتهام نفته عدة مرات حكومة كابول، التي اتهمت بدورها إسلام آباد بدعم وإيواء عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي شن عدة عمليات انتحارية في أفغانستان.
لكن باكستان نفت هي الأخرى تقديم أي دعم لهذا التنظيم الإرهابي.
وتجدر الإشارة إلى أن حركة طالبان الأفغانية كانت قد استفادت في الماضي من الدعم العسكري واللوجيستي الذي قدمته حركة طالبان باكستان، لا سيما خلال الحرب ضد القوات الأمريكية والتحالف الدولي.
خط “ديورند” وأزمة الحدود
يعود تاريخ هذه الأزمة، التي لا تزال عالقة إلى يومنا هذا، إلى عام 1893 خلال الاحتلال البريطاني، عندما تم رسم الحدود بين البلدين من قبل الحاكم العسكري البريطاني هنري ديورند وحاكم أفغانستان آنذاك عبد الرحمن خان.
الخط الذي يؤجج الصراع اليوم بين البلدين يدعى خط “ديورند”. يمتد على مسافة تقارب 2600 كيلومتر، حيث قسم الملايين من شعب البشتون (الأغلبية في أفغانستان، أي حوالي 25 مليون شخص) جغرافيا بين باكستان وأفغانستان، ولم يقدم تفصيلا للحدود بين البلدين، متجاهلا تداخل الأراضي، ما أدى إلى إشعال نزاعات متكررة بين الجارين، فيما يحاول كلاهما الاستيلاء على أراض إضافية.
من جهتها، اتهمت كابول جارتها باكستان باستغلال الحروب المتكررة التي خاضتها سواء ضد الاتحاد السوفياتي سابقا أو الولايات المتحدة، للتوغل أكثر في أراضيها.
وفي 2021، عندما استولت حركة طالبان على الحكم، أعادت فتح ملف الحدود والأراضي التي تقول إنها سُلبت من قبل باكستان، وطالبت إسلام آباد باسترجاعها. وما زاد الأزمة تعقيدا هو بناء باكستان لسياج إسمنتي بارتفاع 3 أمتار على حدودها لمنع تدفق اللاجئين غير الشرعيين الأفغان إلى أراضيها. وتعتبر طالبان هذا الخط “خياليا”.
موقف أفغانستان من خط “ديورند”
لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة بخط “ديورند”، المعترف به دوليا، بل ظلت تطالب باسترجاع الأراضي التي سُلبت منها، بحجة أن الترسيم اقتطع أراضٍ كبيرة يسكنها قبائل البشتون الأفغانية في جنوب غرب البلاد.
بالمقابل، ترى باكستان أن مطالب كابول غير شرعية وتمس بسيادتها الترابية، مؤكدة أن خط “ديورند” الفاصل بينها وبين أفغانستان يحظى باعتراف دولي ومن قبل الأمم المتحدة. كما تتهم باكستان جماعات مسلحة انفصالية باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على أراضيها.
التقارب الأفغاني – الهندي على حساب باكستان؟
كون أفغانستان دولة شبه معزولة جعلها تطور علاقات اقتصادية استراتيجية مع باكستان التي تتقاسم معها شريطا حدوديا يبلغ طوله حوالي 2600 كيلومتر، وتعتمد بشكل أساسي على المنتجات والصادرات الباكستانية.
ومما زاد من هذه التبعية الاقتصادية هو عدم امتلاكها ممرا بحريا، وطبيعة أراضيها الجبلية التي تصعب التنقل فيها. لكن منذ حوالي ثلاث سنوات، بدأت حركة طالبان تنويع شراكاتها الاقتصادية، لا سيما مع الهند، العدو اللدود لباكستان، وكذلك الصين.
وفي هذا الإطار، قام وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بزيارة إلى نيودلهي استغرقت أسبوعا كاملا، بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتعزيز العلاقات الاقتصادية، وهي أول زيارة رسمية منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في 2021.
ولم “تهضم” باكستان هذه الزيارة، واعتبرتها فرصة لنيو دلهي لفرض نفوذها تدريجيا في أفغانستان، وتسويق بضائعها فيها، فضلا عن استخدام الحدود البرية الأفغانية من قبل الهند لتسويق منتجاتها في أسواق آسيا الوسطى دون المرور عبر الأراضي الباكستانية.
علاقات طموحة مع الصين وروسيا
بالإضافة إلى الهند، تسعى حركة طالبان إلى بناء علاقات جديدة مع الصين وروسيا. وتجدر الإشارة إلى أن موسكو اعترفت بحركة طالبان ولديها علاقات دبلوماسية واقتصادية معها.
أما الصين، فرغم أنها لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، إلا أنها تتشارك علاقات اقتصادية كبيرة مع أفغانستان، التي تعد سوقا مهمة للبضائع الصينية.
والهدف من هذا التنويع في العلاقات السياسية والاقتصادية، بحسب مراقبين، هو التحرر من التبعية الاقتصادية التي فرضتها باكستان على أفغانستان منذ عقود، وبحكم الجغرافيا.
لكن اليوم ترى إسلام آباد أن السياسة الخارجية الأفغانية تشكل خطرا على توازناتها الداخلية، سواء في المجال الاقتصادي أو الاستراتيجي. كما تخشى أن تتدخل الهند أكثر في الشؤون الداخلية الأفغانية، أو تجعل من أفغانستان قاعدة قد تهدد مصالحها في المنطقة مستقبلا.
باكستان وأفغانستان: علاقات ملتبسة وغامضة منذ زمن بعيد
ملف العلاقات بين حركة طالبان وباكستان معقد وغامض برأي عدد من الملاحظين. فقد لعب الجيش الباكستاني وأجهزة الاستخبارات دورا مهما خلال الحرب التي خاضها المتمردون الأفغان ضد الغزو السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، حيث قدموا لهم السلاح والتدريب والتمويل.
واستمرت هذه العلاقات مع بعض الفصائل بعد انسحاب القوات السوفياتية واندلاع الحرب الأهلية التي أعقبته. كما دعمت باكستان حركة طالبان خلال وصولها الأول إلى السلطة.
وبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2002، وجد عناصر طالبان في كثير من الأحيان ملاذا داخل الأراضي الباكستانية، ورغم تحالف الحكومة الباكستانية مع الولايات المتحدة، فإنها تغاضت عن وجودهم على أراضيها. وظلت هذه العلاقة الغامضة بين طالبان الأفغانية والحكومة الباكستانية قائمة طوال عشرين عاما من الوجود الأمريكي في أفغانستان.
لكن هذه السياسة لم تخلُ من الحسابات. فبدعمها لطالبان، كانت إسلام آباد، بحسب مراقبين، تطمح إلى حسم قضية الحدود نهائيا بعد وصول الحركة إلى الحكم. لكن تجدد الحرب والاقتتال بين الجانبين يثبت أن هذه المسألة لم تُحل نهائيا.

التعليقات