كانت انخفضت حمّى توجيه ضربة عسكرية لإيران قبل أن ترتفع مجددا مع وصول حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن”، وبلوغ الحشد العسكري الأميركي مرحلة غير مسبوقة من القوة في الشرق الأوسط، وسط تنسيق دفاعي مع إسرائيل، وتحذيرات خليجية وإقليمية ودولية من انزلاق إلى مواجهة واسعة، يحافظ الرئيس ترامب على تلميحه لمفاوضات يحاول مبعوثه ويتكوف “إقناعه بها”، وتراقب روسيا دون أن تصّعد مع الإدارة الأمريكية، وتقول الصين إنها ضد التدخل الخارجي، فيما يبقى الخيار العسكري “ليس المفضل” في باريس وفق وزيرة الجيوش.
تمركز حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن” الأشبه بقاعدة جوية عائمة يرافقها ثلاث مدمرات تحمل 75 طائرة حربية، و6000 جندي، يعد قوة هجومية ضاربة، بميزات دفاعية عالية كذلك، ولكن لا يمكن تفسير هذا الانتشار من منظور عسكري بحت، فهو يحمل أيضا رسالة سياسية ضاغطة على إيران للرضوح لشروط الولايات المتحدة.
وعاد التصعيد عندما عاد التصعيد بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما حدّثت المنظمات الحثوثية أعداد القتلى في الاحتجاجات في إيران إلى أكثر من 20 ألف قتيل.
وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي إن المواجهة مع إيران بشأن حصر مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وتفتيش المنشآت النووية التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل يجب ألا تستمر إلى الأبد، وتابع يتعين على إيران أولا رفع تقرير إلى الوكالة بما حدث لتلك المواقع والمواد، ومن بينها ما يقدر بنحو 440.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء تصل إلى 60 بالمئة و 90 بالمئة، النسبة اللازمة لتصنيع أسلحة نووية، وتقول الوكالة إن هذه الكمية من المواد تكفي لتصنيع 10 قنابل نووية إذا ما زادت نسبة تخصيبها.
وتابع غروسي: “سأضطر في مرحلة ما أن أقول حسنا، ليس لدي أي فكرة عن مكان هذه المواد‘”.
ومن جهة أخرى عادت لتحدّث المنظمات الحقوقية أعداد القتلى والمعتقلين خلال احتجاجات إيران، وقبل ذلك كانت دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة عبر عقد جلسة طارئة في مجلس حقوق الإنسان الذي دعا لتمكين آليات الرصد المستقلة من الوصول إلى المعلومات رغم القيود المفروضة على الاتصالات.
ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك السلطات الإيرانية إلى وقف ما وصفه بـ”القمع الوحشي” للاحتجاجات التي تراجعت في أنحاء البلاد، ورفضت إيران الاعتراف بمشروعية الجلسة الطارئة لمجلس حقوق الإنسان، ووصفت الاحتجاجات بأنها تحولت إلى أعمال “إرهاب وعنف”، وأعلنت السلطات مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص بين “شهداء قوات الأمن” و”إرهابيون”، فيما تقول منظمات حقوقية إن قوات الأمن أطلقت النار بأسلحة حربية بشكل مباشر على المتظاهرين وأن الحصيلة الحقيقية قد تكون أعلى بكثير وربما تتجاوز 20 ألف قتيل، وكان ترامب تعهد بدعم المحتجين وقال إنه أُبلغ من مصدر ثقة بتوقف الإعدامات وعمليات القتل”.
ورغم عدم اليقين بأن سقوط هذا العدد من القتلى سيقود ترامب إلى قرار عسكري، قال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك وولتز إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيعتمد “خطوات مدروسة” لضمان حماية القوات الأميركية وتأمين إسرائيل من أي ردود محتملة في حال التصعيد، وأضاف أن الولايات المتحدة أجرت اتصالات مع حلفائها، ونشرت قدرات عسكرية تتيح للرئيس اتخاذ “القرار الصائب” في الوقت المناسب.
وكشفت صحيفة إسرائيل هيوم أن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يقود جهود وساطة -تزعج إسرائيل- لإقناع ترامب بتأجيل أي ضربة عسكرية والسير في مسار دبلوماسي، ويستند ويتكوف إلى رسائل من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان، ويكرر ترامب تأكيداته بأن إيران تريد التفاوض، دون أي تصريح فيما إذا كانت طهران قبلت بالشروط الأمريكية الذي كانت تعترض عليها قبل الضربة الأمريكية على منشآتها النووية، بالتخلي نهائيا عن برنامجها النووي، بينما يتحدث مسؤولون عن شروط أمريكية أكثر تشددا بما فيها تغيير نظام ودور “المرشد الأعلى” في الجمهورية الإسلامية، ما يعتبر بمثابة استسلام.
وبعد اجتماعه مع قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) براد كوبر قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إن موعد أي هجوم أميركي على إيران لم يحدد بعد، مشيرا إلى أن “الأمر يتوقف على قرار من الرئيس الأميركي”.
وكان ناقش كوبر مع زامير آليات التنسيق الدفاعي بين البلدين في حال شنت الولايات المتحدة هجوما على إيران قد يؤدي إلى إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل.
وفي طهران أكد مسؤول إيراني لرويترز أن بلاده في حالة تأهب قصوى، محذرا من أن أي تحرك عسكري سيُقابل برد “غير مسبوق”، وإن إيران ستتعامل مع أي هجوم على أنه “حرب شاملة ضدها”، وأضاف: “هذا الحشد العسكري نأمل ألا يكون الهدف منه مواجهة حقيقية لكن جيشنا مستعد لأسوأ السيناريوهات.
ورغم تقارب موسكو وطهران خلال العقد الماضي في سوريا وأوكرانيا، لكن هذا التقارب بقي تكتيكيا أكثر منه تحالفا صلبا، ما منح دائما روسيا هامشا دائما للمناورة، ولا ترغب روسيا بدولة نووية جديدة على حدودها يحكمها نظام ديني وقد كانت موسكو جزء من الاتفاق النووي عام 2015.
ورغم أن روسيا تواصل دعم إيران عبر الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن والتعاون العسكري والتقني بعيدا عن الأضواء، إضافة إلى دعم الرواية الإيرانية إعلاميا وسياسيا، لكن في المقابل، تتجنب أي تصعيد مع إدارة ترامب التي ترغب بالإبقاء على قنوات التواصل التي فتحت معها أخيرا بما يخص أوكرانيا، ولكن أيضا لحساسية علاقتها بإسرائيل.
وتمثل إيران رهانا استراتيجيا أكبر بكثير من فنزويلا بالنسبة للصين، سواء من حيث موقعها الجيوسياسي في قلب الشرق الأوسط، أو دورها في أمن الطاقة وتوريدها النفط بكميات ضخمة إلى بكين، فالصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وهي المشتري الرئيسي للنفط من إيران المنتجة في منظمة أوبك، مما يجعل بكين عرضة بشكل حاد لأي انقطاع في الإمدادات بسبب أي تدخل عسكري، فضلا عن أهمية إيران في مشاريع “الحزام والطريق”، في ظل تنافس حاد مع الولايات المتحدة.
مع ذلك، ورغم حجم ما قد تخسره، لا تميل الصين إلى التدخل المباشر في حال تفاقمت الأزمة الإيرانية أو انهار النظام، وهذا يتماشى مع عقيدة السياسة الخارجية القائمة على أن الصين قوة اقتصادية عالمية لكنها لا تريد أن تتحول إلى قوة تدخل عسكري مباشر خارج محيطها، إضافة إلى رغبة بكين في تجنب أي مواجهة مباشرة مع واشنطن، لذا اكتفى وزير الخارجية الصيني في اتصال بنظيره الإيراني بالدعوة إلى الحوار وضبط النفس وحل الخلافات سلميا في الشرق الأوسط.
وقادت السعودية وقطر وعمان جهودا مكثفة لاحتواء التصعيد عندما لوّح دونالد ترامب بضربة ضد إيران، محذّرة من أن أي هجوم قد يطلق “سلسلة تداعيات خطيرة” في المنطقة، وبعد تراجع واشنطن عن خيار الضربة الفورية، أكدت الرياض استمرار التواصل لتعزيز مناخ الثقة والاستقرار، وتخشى دول الخليج من ردود إيرانية محتملة ضد المصالح الأميركية داخل أراضيها، لكن القلق يبقى اقتصاديا لدول تسعى إلى بيئة مستقرة لجذب الاستثمار، في وقت ظهرت فيه اضطرابات مثل تعليق الرحلات الجوية.
وأكدت الإمارات أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لاستهداف إيران. وأعلن الجيش الأمريكي الإثنين أن حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن ومجموعتها قد وصلت إلى الشرق الأوسط.
في لبنان قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم: “أمام العداون الذي لا يفرق بيننا، نحن معنيون بما يجري ومستهدفون بالعداون المحتمل ومصممون على الدفاع”، وأوضح “سنختار في وقتها كيف نتصرف، تدخلا أو عدم تدخل.. لكن لسنا حياديين”.
في باريس قالت الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة أليس روفو إن التدخل العسكري في إيران، حيث تجري حملة قمع دامية منذ عدة أسابيع، “ليس الخيار المفضل” بالنسبة لفرنسا، وذلك في مقابلة بثتها مجموعة من وسائل الإعلام الفرنسية تحدثت خلالها عن عدة ملفات.
وأضافت روفو: “أعتقد أنه يجب دعم الشعب الإيراني بكل الطرق الممكنة، بما في ذلك التحدث عنه كما نفعل الآن”، معربة عن أسفها للصعوبات التي تعترض “توثيق الجرائم الواسعة التي نظمها النظام الإيراني ضد شعبه” بسبب قطع الإنترنت.
وقالت: “هذا حراك انطلق من البازار، واحتجاجا على تكاليف المعيشة، لكنه توسع بشكل كبير، الشعب الإيراني يرفض نظامه، لكن مصيره يعود إلى الإيرانيين والإيرانيات، وليس من شأننا اختيار قادتهم”.
وقد لا ترغب باريس باندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط تؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد، وتضر بجهود إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، وقد يؤدي إلى موجة نزوح نحو تركيا وأوروبا.
وفي دافوس نشر الرئيس ترامب رسالة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون عبرت عن استعداد باريس للتعاون مع واشنطن في إيران لتحقيق “أمور عظيمة”.
وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني الاثنين إن إيطاليا ستطلب من شركائها في الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع إدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب وذلك في إشارة إلى تحول في موقف روما التي كانت تقاوم جهود بروكسل لتصنيف الحرس الثوري الإيراني جماعة إرهابية، لكن تاياني قال إنه لا يمكن تجاهل القمع الإيراني للاحتجاجات في الشوارع هذا الشهر.
وقال الوزير “الخسائر التي تكبدها السكان المدنيون خلال الاحتجاجات تتطلب ردا واضحا”، مضيفا أنه سيثير القضية الخميس في اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في بروكسل.
في فرنسا يقول المحللون إن الرئيس الأمريكي لا يتدخل لإرساء الديمقراطية، ولكن يفعل ذلك عندما تثبت جدوى تدخله من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية.

التعليقات