هنغاريا: حرّرنا المجر”.. بيتر ماغيار رئيسا للوزراء بعد فوز ساحق على فيكتور أوربان الذي اعترف بهزيمته

لقد حررنا المجر”، هكذا أعلن بيتر ماغيار، زعيم حزب تيسا المعارض المحافظ، الفائز في الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الأحد ضد رئيس الوزراء المنتهية ولايته فيكتور أوربان، الذي ظل في السلطة لمدة 16 عاماً، وأضاف وسط هتافات عشرات الآلاف: “معا، أسقطنا نظام أوربان، حررنا المجر، واستعدنا وطننا”.

ووسط متابعة أوروبية واسعة لهذا الاقتراع الذي وُصف بالحاسم، أظهرت الصور من بودابست تجمع حشود غفيرة أمام شاشات عملاقة قرب نهر الدانوب وهم يعبرون عن فرحتهم بإعلان النتائج.

ومع فرز نحو 85% من بطاقات الاقتراع، حصد حزب “تيسا” (الحرية والاحترام) بزعامة ماغيار أغلبية ساحقة تقارب 138 إلى نحو 140 مقعداً من أصل 199، مقابل ما بين 54 و58 مقعداً لحزب “فيدس” بزعامة أوربان، في نتيجة تؤهله للحصول على أغلبية الثلثين، بما يتيح له نظرياً تعديل الدستور.

وبحسب المكتب الوطني للانتخابات، ومع فرز أكثر من 72.44% من الأصوات، حصل حزب تيسا على 53.45% من الأصوات مقابل 37.92% لحزب فيدس (الاتحاد المدني) اليميني المتطرف بزعامة أوربان.

وشهدت الانتخابات مشاركة قياسية بلغت 77.8% مقارنة بـ67.8% في عام 2022، مع تسجيل طوابير طويلة أمام مراكز الاقتراع في العاصمة بودابست.

ويُعد صعود بيتر ماغيار سريعاً ولافتاً، إذ تمكن خلال أشهر قليلة من ملاحقة أوربان في استطلاعات الرأي ثم تجاوزه في صناديق الاقتراع، في مسار وصف بالمذهل.

وصوّت المجريون لتجديد برلمانهم في حملة اتسمت بتوترات حادة حول قضايا الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وروسيا، ما يجعل نتائجها ذات تأثير على موقع المجر داخل أوروبا والاتحاد.

ويُنتظر أن يصبح رئيس الوزراء الجديد، منهياً 16 عاماً من حكم أوربان الذي عُرف بمواقفه المحافظة المتشددة، ومعارضته لبروكسل، وتوجهاته المنتقدة للدعم الأوروبي لأوكرانيا.

وخلال الحملة، ركز أوربان على قضايا السياسة الخارجية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا، مقدّماً نفسه كضامن للاستقرار والسلام، بل وحذر من أن هزيمته قد تؤدي إلى إرسال جنود مجريين إلى الجبهة، وطرح الانتخابات كخيار بين “الحرب والسلام”.

في المقابل، ركّز ماغيار على القضايا الداخلية، مثل مكافحة الفساد، وإنعاش الخدمات العامة، وتعزيز التقارب مع الاتحاد الأوروبي، عبر حملة مكثفة شملت مختلف أنحاء البلاد، ما ساعده على تعبئة ناخبين يتوقون إلى التغيير بعد 16 عاما من تركّز السلطة.

وسادت أجواء احتفالية في بودابست، حيث اكتظت ضفاف الدانوب بالحشود، وتدفقت الشمبانيا والبيرة، وسط حضور واسع للشباب إلى جانب العائلات، وأفاد مراسل إذاعة فرنسا الدولية أن كثيرين اعتبروا النتيجة “تحرراً”، رغم ما شاب الحملة من استفزازات من معسكر أوربان، وفضائح تتعلق بشراء الأصوات، إضافة إلى تدخلات أجنبية أمريكية وروسية لصالح أوربان.

وكان ماغيار قد ردد خلال تجمعاته أن “تيسا” (الحرية والاحترام) – وهو أيضاً اسم نهر – “سيفيض”، وهو ما تحقق بالفعل، حين انتظر المحتشدون من أنصاره لسماع كلمته بعد فوزه.

في المقابل، بدت الأجواء كئيبة أمام مقر أوربان، حيث تجمع عشرات فقط من المؤيدين.

ورأى خبراء أن ما جرى يمثل “زلزالا” و”مدّاً جارفاً” يعكس تمرد الشباب على النظام “غير الليبرالي” الذي حكم البلاد طيلة 16 عاماً.

وتوالت التهاني لماغيار، إذ هنأه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتبراً أن النتيجة تمثل “انتصاراً للمشاركة الديمقراطية وتمسك الشعب المجري بالقيم الأوروبية”

 وكذلك فعل المستشار الألماني فريدريش ميرتس متطلعاً إلى “أوروبا قوية وآمنة وخصوصاً موحدة”، فيما أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن المجريين «اختاروا التغيير السياسي»، معرباً عن أمله في أن تستفيد البلاد مجدداً من فرصها داخل أوروبا.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن فوز المجريين كان “لحظة تاريخية، ليس فقط بالنسبة للمجر، ولكن للديمقراطية الأوروبية”.

ورحب المشرعون من الحزب الديمقراطي المعارض في الولايات المتحدة بهزيمة أوربان، قائلين إن حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الكونغرس هم التاليون.

وكتب زعيم الأقلية في مجلس النواب الأمريكي، حكيم جيفريز، على إكس في إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر: “الشتاء قادم”.

وهنأت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ماجيار وشكرت أوربان على ما وصفته بالتعاون المكثف على مر السنين.

وهنّأ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كلاً من بيتر ماغيار وحزب “تيسا” على فوزهما الساحق، معتبراً أنه “من المهم أن يسود نهج بنّاء”.

وأضاف أن أوكرانيا سعت دائماً إلى إقامة علاقات حسن جوار مع جميع الدول الأوروبية، وهي مستعدة لتعزيز تعاونها مع المجر.

وفي منشور على فيسبوك، أكد ماغيار أن أوربان اتصل به شخصياً لتهنئته، وفي أول تعليق له، قال أوربان: “نتائج الانتخابات، واضحة؛ بالنسبة لنا هي مؤلمة لكنها لا لبس فيها”، وتابع “لم نحصل على المسؤولية ولا على إمكانية الحكم”.

ويمثل هذا التحول السياسي نقطة مفصلية في أوروبا الوسطى، مع تداعيات محتملة تتجاوز حدود المجر، ويرجح أن تنهي هذه النتيجة الدور التصادمي الذي اضطلعت به بودابست داخل الاتحاد الأوروبي خلال عهد أوربان، وأن تفتح الباب أمام دعم أوروبي أكبر لأوكرانيا، بما في ذلك إمكانية تمرير قرض بقيمة 90 مليار يورو كات تعطله إدارة أوربان.

كما قد يؤدي التغيير إلى الإفراج عن أموال أوروبية مجمدة بسبب مخاوف تتعلق بتراجع المعايير الديمقراطية.

وسيحرم رحيل أوربان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أحد أبرز حلفائه داخل الاتحاد الأوروبي، وقد يُحدث صدمة داخل الأوساط اليمينية الغربية، بما فيها تيارات مقربة من دونالد ترامب.

كذلك برزت المجر خلال عهد أوربان كحليف رئيسي لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث استخدمت في مناسبات عدة حق النقض لعرقلة قرارات اعتُبرت غير مواتية لها، واستقبل أوربان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغم التوترات الدولية.

ومن المرجح أن يعيد وصول ماغيار إلى السلطة رسم هذا التوجه الدبلوماسي، إذ قد تتبنى بودابست خطاً أكثر انسجاماً مع بروكسل، ما قد يغيّر توازن المواقف الأوروبية، بما في ذلك تجاه إسرائيل.

كما ستفتح النتيجة الباب أمام إصلاحات داخلية في المجر تشمل مكافحة الفساد واستعادة استقلال القضاء والمؤسسات، غير أن حجم هذه الإصلاحات سيعتمد على قدرة حزب تيسا على تثبيت أغلبية الثلثين اللازمة لإجراء تعديلات دستورية.

جاءت الانتخابات في ظل تزايد الاستياء الشعبي من الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى اتهامات بتراكم الثروات لدى مقربين من السلطة، وهي عوامل استثمرها ماغيار سياسياً.

كما أن الحملة الانتخابية شهدت تدفقاً كبيراً للأخبار المضللة.

وكان لافتا أن ماغيار دعا أوربان إلى الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات تحد من هامش المناورة للحكومة المقبلة.

كما طلب من الرئيس تاماس سوليوك أن يمنحه تفويضاً لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن ثم الاستقالة.

وقال ماغيار: “أدعو رئيس الجمهورية إلى أن يطلب مني دون تأخير، بصفتي زعيم قائمة الحزب الفائز، تشكيل حكومة، ثم الاستقالة من منصبه”.
من المتوقع أن يدعو سوليوك البرلمان الجديد للانعقاد في غضون 30 يوما من الانتخابات، ويُنتخب رئيس الوزراء من قبل البرلمان بأغلبية بسيطة من الأصوات.

كما دعا ماغيار رئيس المحكمة العليا، والمدعي العام، ورئيس هيئة الإعلام ومكتب المنافسة إلى الاستقالة، قائلاً إن المؤسسات المستقلة في المجر قد تم الاستيلاء عليها في السنوات الـ 16 الماضية.

وأضاف ماغيار: “بموافقة أغلبية الثلثين على تعديل الدستور، سننضم إلى مكتب المدعي العام الأوروبي ونضمن سير العملية الديمقراطية في بلادنا، ولن نسمح لأحدٍ بعد الآن باحتلال المجر الحرة أو التخلي عنها”.

وقال أيضا “ستكون المجر حليفاً قوياً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي مرة أخرى”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *