في خطوة لافتة ذات دلالة سياسية وأخلاقية، خصّصت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا افتتاح الجلسة العامة للبرلمان يوم الاثنين 19 يناير/كانون الثاني 2026 للحديث عن إيران، ووصفت ما يجري بأنه تعبير غير مسبوق عن توق شعبيّ إلى الحرّية والعدالة في مواجهة القمع.
وقالت ميتسولا في كلمة افتتاحية حملت نبرة تضامن واضحة مع الإيرانيين إن المشاهد القادمة من إيران تُظهر قمعًا وحشيًا، مؤكدةً أن الإيرانيين “لا يطلبون سوى ما يستحقه كل إنسان: الحرّية والعدالة ومستقبلًا يمكنهم الإيمان به”.
اللافت في هذه الكلمة لم يكن مضمونها وحده، بل الرمزية التي اختارتها رئيسة البرلمان الأوروبي لتوجيه رسالة إلى طهران وإلى الرأي العام العالمي. فبدل أن تدعو إلى دقيقة صمت تكريمًا للضحايا، شدّدت على أن “شعب إيران لا يحتاج إلى الصمت”، لأنه “أُجبِر على الصمت بالقوة طوال 47 عامًا”، ثم طلبت من النواب أن يكرّموا قتلى الانتفاضة بدقيقة تصفيق وقوفًا “لتكريم شجاعتهم وبطولتهم”.
هذا التحول من “الصمت” إلى “التصفيق” ليس مجرد تفصيل بروتوكولي؛ بل هو محاولة واعية لإعادة تعريف التضامن الدولي مع الإيرانيين: تضامن لا يكتفي بالتعزية، بل يسعى إلى كسر جدار الصمت الذي يسمح باستمرار الانتهاكات تحت ستار التعتيم الإعلامي والرقابة. وبهذا المعنى، يصبح التصفيق فعلًا سياسيًا يعلن أن صوت الضحايا يجب أن يُسمع، وأن الجريمة لا ينبغي أن تُمرَّر باعتبارها “شأنًا داخليًا”.
وفي منشور على منصة X كرّرت ميتسولا الرسالة نفسها بوضوح: “شعب إيران لا يحتاج إلى الصمت… لقد أُبقوا صامتين بالقوة لمدة 47 عامًا… إنهم يستحقون أن يكونوا أحرارًا.”
تأتي هذه المواقف في لحظة يتسع فيها النقاش داخل أوروبا حول جدوى السياسات السابقة تجاه طهران، وبينها نهج المساومة أو المهادنة الذي رُوّج له لسنوات باعتباره طريقًا “واقعيًا” لتخفيف التوتر. غير أن وقائع القمع داخل إيران، واستمرار الاعتقالات والتضييق على المجتمع، جعلت قطاعات متزايدة من الرأي العام الأوروبي ترى أن المشكلة ليست في “سلوك” عابر يمكن إصلاحه بحوار تقني، بل في بنية سلطوية تعتبر المجتمع خصمًا دائمًا، وتتعامل مع الاحتجاج بوصفه تهديدًا وجوديًا.
ومن زاوية أوسع، فإن رسالة البرلمان الأوروبي—كما يقرأها كثيرون من الإيرانيين—تتصل بجوهر ما يردده الشارع منذ سنوات: الحرّية ليست مطلبًا جزئيًا، ولا قابلة للمقايضة، بل هي مشروع تغيير شامل يرفض الاستبداد بكل أشكاله. لذلك يصرّ المحتجون في شعاراتهم وخطابهم على رفض أي عودة إلى ديكتاتورية “الشاه” كما يرفضون استمرار ديكتاتورية نظام ولاية الفقيه. وبعبارة أخرى: الإيرانيون لا يبحثون عن “تبديل الوجوه” داخل نظام قمعي، بل عن قطيعة مع منطق الحكم الفردي، سواء ارتدى تاجًا أو عمامة.
إنّ أهمية موقف ميتسولا أنه يفتح نافذة سياسية على هذا المعنى بالذات: دعم حق الإيرانيين في مستقبل يقررونه هم لا أن يُفرض عليهم من أعلى، ولا أن يُعاد تدويرهم بين استبدادين. كما يرسل إشارة إلى أن أوروبا—بمؤسساتها المنتخبة—قادرة على الانتقال من لغة “القلق” الدائم إلى لغة المساءلة والوقوف إلى جانب الضحايا.
وفي ظل استمرار الأزمة، يبقى الاختبار الحقيقي ليس في الكلمات وحدها، بل في ما إذا كانت هذه الإشارات الرمزية ستترجم إلى سياسات عملية: حماية حقوق الإنسان، دعم حرية الوصول إلى الإنترنت والمعلومات، محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض تبييض القمع تحت أي ذريعة. لكن ما حدث في 19 يناير/كانون الثاني 2026 وضع نقطة فارقة في السردية الأوروبية: ليس صمتًا على الضحايا، بل تصفيقًا لهم—ورسالة مفادها أن شعبًا صُمِّم لإسكاته بالقوة، ما زال يطالب بحقه الطبيعي في الحرّية.

التعليقات